ابن أبي الحديد

172

شرح نهج البلاغة

الشرح : لقائل أن يقول ما نعرف أحدا من بنى اسحق وبنى إسرائيل احتازتهم الأكاسرة والقياصرة عن ريف الآفاق إلى البادية ومنابت الشيح ، الا أن يقال يهود خيبر والنضير وبنى قريظة وبنى قينقاع ، وهؤلاء نفر قليل لا يعتد بهم . ويعلم من فحوى الخطبة انهم غير مرادين بالكلام ، ولأنه عليه السلام قال تركوهم اخوان دبر ووبر ، وهؤلاء لم يكونوا من أهل الوبر والدبر ، بل من أهل المدر ; لأنهم كانوا ذوي حصون وآطام . والحاصل إن الذين احتازتهم الأكاسرة والقياصرة من الريف إلى البادية ، وصاروا أهل وبر ولد إسماعيل ; لا بنو إسحاق وبنو إسرائيل . والجواب انه عليه السلام ذكر في هذه الكلمات ، وهي قوله ( فاعتبروا بحال ولد إسماعيل وبنى إسحاق وبنى إسرائيل المقهورين والقاهرين جميعا ) ; اما المقهورون فبنو إسماعيل ، واما القاهرون فبنو إسحاق وبنو إسرائيل ، لان الأكاسرة من بنى إسحاق ; ذكر كثير من أهل العلم أن فارس من ولد إسحاق ، والقياصرة من ولد إسحاق أيضا ، لان الروم بنو العيص بن إسحاق ، وعلى هذا يكون الضمير في ( أمرهم ) ، و ( تشتتهم ) و ( تفرقهم ) يرجع إلى بنى إسماعيل خاصة . فان قلت فبنو إسرائيل ، أي مدخل لهم هاهنا ؟ قلت لان بني إسرائيل لما كانوا ملوكا بالشام في أيام أجاب الملك ، وغيره حاربوا العرب من بنى إسماعيل غير مرة ، وطردوهم عن الشام وألجئوهم على المقام ببادية الحجاز . ويصير تقدير الكلام فاعتبروا بحال ولد إسماعيل مع بنى إسحاق وبنى إسرائيل ; فجاء بهم في صدر الكلام على العموم ، ثم خصص فقال الأكاسرة والقياصرة ، وهم داخلون في عموم ولد إسحاق ، وإنما لم يخصص عموم بني إسرائيل لان العرب لم تكن تعرف ملوك